الشنقيطي

24

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الإمام أحمد رحمه اللّه : أنه إذا لم يستهل صارخا ، ولم يتحرك ، فإن كان له أربعة أشهر : غسل ، وصلي عليه ، وإلا فلا ، أما إذا استهل صارخا ، فلا خلاف بينهم في الصلاة عليه . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : اعلم أن اختلاف الأئمة في هذه المسألة من قبيل الاختلاف في تحقيق المناط ، لأن مناط الأمر بالصلاة عليه ، هو أن يعلم أنه تقدمت له حياة ؛ ومناط عدم الصلاة عليه : هو أن يعلم أنه لم تتقدم له حياة ، فمالك ومن وافقه رأوا أنه إن استهل صارخا ، أو طالت مدته حيا علم بذلك أنه مات بعد حياة ، فيغسل ويصلى عليه ، وقالوا : إن مطلق الحركة لا يدل على الحياة ، لأن المذبوح قد يتحرك حركة قوية ، وقالوا : إنه إن رضع لم يدل ذلك على حياته . قالوا : قد كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما طعنه عدو اللّه معدودا في الأموات لو مات له مورث في ذلك الوقت ما ورثه ، وهو قول ابن القاسم . ولو قتل رجل عمر في ذلك الوقت لما قتل به ، لأنه في حكم الميت ، وإن كان عمر في ذلك الوقت يتكلم ويعهد . والذين خالفوا هؤلاء قالوا : لا نسلم ذلك فكل حركة قوية تدل على الحياة ، وعمر ما دام قادرا على الحركة القوية الدالة على الحياة ، فهو حي تجري عليه أحكام الحياة . والذين قالوا : يغسل إن سقط بعد أربعة أشهر ، استندوا في ذلك إلى حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في هذا المبحث نحو ما ساقه البخاري ومسلم ، فإنه يدل على أنه بعد الأربعين الثالثة . ينفخ فيه الروح ، وانتهاء الأربعين الثالثة : هو انتهاء أربعة أشهر ، فقد دل الحديث على نفخ الروح فيه بعد انتهاء الأشهر الأربعة ، ونفخ الروح فيه في ذلك الحين مشعر بأنه مات بعد حياة والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 5 ) [ 5 ] . هذا برهان قاطع آخر على البعث : وقوله وَتَرَى أي يا نبي اللّه ؛ وقيل : وترى أيها الإنسان المخاطب : وهي رؤية بصرية تتعدى إلى مفعول واحد . فقوله هامِدَةً حال من الأرض ، لا مفعول ثان لترى . وقوله : هامدة أي يابسة قاحلة لا نبات فيها . وقال بعض أهل العلم ، هامدة : أي دارسة الآثار من النبات ، والزرع . قالوا : وأصل الهمود الدروس والدثور . ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس : قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا * وأرى ثيابك باليات همّدا أي وأرى ثيابك باليات دارسات فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ أي سواء كان من المطر ، أو الأنهار أو العيون أو السواني : اهْتَزَّتْ : أي تحركت بالنبات . ولما كان النبات نابتا فيها متصلا بها ، كان اهتزازه كأنه اهتزازها فأطلق عليها بهذا الاعتبار ، أنها اهتزت بالنبات ؛ وهذا